ابن حزم
253
رسائل ابن حزم الأندلسي
وترفع عنه قبل ذلك ؛ وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت ، وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت ؛ ولذلك قال من قال : إن حسن الرجال أصدق صدقاً وأثبت أصلاً وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغيير ، مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكن - وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت طرباً أو لمت فرحاً ، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني . وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم ؛ إذ لم يقع تثبت يوجب الوفاء ، ولا عهد يقتضي المحافظة ، ولا سلف ذمام ، ولا فرط تصادق يلام على تضييعه ونسيانه . 6 - ومنها جفاء يكون من المحبوب ، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفساً لها بعض الألفة والعزة تسلى ، وإذا كان الجفاء يسيراً منقطعاً أو دائماً أو كبيراً منقطعاً احتمل وأغضي عليه ، حتى إذا كثر ودام فلا وفاء عليه ( 1 ) ، ولا يلام الناسي لمن يحب في مثل هذا . 7 - ومنها الغدر ، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم ( 2 ) ، وهو المسلاة حقاً ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان ، ناسياً أو متصبراً ، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه . ولولا أن القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف قلبه ولا إحالة استحسناه - لولا ذاك - لقلت ان المتصبر في سلوه مع الغدر يكاد ان يستحق الملامة والتعنيف ؛ ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي
--> ( 1 ) بعض الطبعات : فلا بقاء . ( 2 ) قارن بما جاء في الموشى ( ص : 118 ) : ثم إن أجهل الجهالة وأضل الضلالة صبر الفتى الأديب على غدر الحبيب ، فإن الصبر على الخيانة والغدر يضع من المروءة والقدر .